اسماعيل بن محمد القونوي

293

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

تأويله ولو قال ومال مخالطتها لكان كلامه أبعد عن الاشتباه ولما لم يتعلق القصد والإرادة بالذوات قدر مضافا وهو المخالطة ووجه تعلقه بالذات للمبالغة . قوله : ( والهم بالشيء قصده والعزم عليه ) يشعر كلامه بأنه معتبر في مفهوم الهم وليس كذلك بل هو يطلق على خاطر النفس من غير اختيار وتصميم ويؤيده ما قاله الإمام من أن تفسير الهم بالشهوة ثبت في اللغة يقول لقائل فيما لا يشتهيه ما يهمني وفيما يشتهيه هذا أهم الأشياء إلي فسمى اللّه شهوة يوسف هما فمعنى الآية ولقد اشتهته واشتهاها وقال أيضا إن نفس الهم بحديث النفس وذلك أن الرجل الصالح الصائم في الصيف إذا رأى الجلاب المبرد بالثلج فإن طبيعته تحمله على شربه إلا أن دينه يمنعه منه وعلى ما اختاره المص استعمال الهم في غير العزم المصمم مجاز وهذا غير ظاهر فالأولى تعميم الهم إلى العزم المصمم وغيره وإرادة معنى في الموضعين مما يليق بهما . قوله : ( ومنه الهمام وهو الذي إذا هم بشيء أمضاه ) وهو الذي أي السيد الذي إذا هم بشيء وقصده أمضاه أي فعله ولهذا سمي هماما . قوله : ( والمراد بهمه عليه السّلام ميل الطبع ومنازعة الشهوة لا القصد الاختياري وذلك مما لا يدخل تحت التكليف ) والمراد بهمه أي بهم يوسف عليه السّلام ميل الطبع أي مجازا بعلاقة الإطلاق والتقييد أي قصد بالهم ميل الطبع مطلقا ثم أريد به ميله بلا قصد لكونه من افراده وهذا مقتضى كلامه ولا يخفى بما فيه مما لا يدخل تحت التكليف فلا يعاتب من وجد فيه هذا الميل لأنه ليس في وسعه دفعه . قوله : ( بل الحقيق بالمدح والأجر الجزيل من اللّه من يكف نفسه من الفعل عند قيام هذا الهم ) قال : وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ [ النازعات : 40 ] الآية فعلم أن المراد من يكف نفسه من الفعل خوفا من اللّه تعالى لا لأجل سبب آخر . قوله : ( أو مشارفة الهم ) عطف على قوله ميل الطبع أي الهم مجاز أولي ولا يخفى أن الوجهين متقاربان إذ مشارفة الهم بمعنى العزم المصمم هو ميل الطبع ومنازعة الشهوة لكن طريق المجاز مختلف فيهما كما عرفت . قوله : ( كقوله قتلته لو لم أخف اللّه ) أي شارفت قتله بضرب وجيع ونحوه لو لم أخف اللّه تعالى لقلته بالفعل فخوف اللّه تعالى منعني من القتل بالفعل فاكتفيت بما يقرب قوله : وذلك مما لا يدخل تحت التكليف جواب لما يسأل ويقال كيف جاز على نبي اللّه الهم بالمعصية . قوله : كقولك قتلته إن لم أخف اللّه هذا مثال لمشارفة الفعل فإن القتل في هذا المثال لم يقم ولم يتحقق فالمراد مشارفته بخلاف هم بها فإن الهم يجوز أن يصدر من يوسف عليه السّلام ويتحقق بمقتضى الجبلة البشرية ولكن كف نفسه عن أن يتحقق ذلك الهم بالمهموم إليها بسبب زاجر إلهي حصل في قلبه .